أبو الحسن الشعراني

198

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

« في التحسين والتقبيح » حسن بعض الأفعال كالعدل ، وقبح بعضها كالظلم ، يعرفان بالعقل عند المعتزلة . فالعدل حسن بمنزلة قولنا الشمس مضيئة والأربعة زوج . وأما عند الأشاعرة فهذه الأمور ليست مما يحكم به العقل الساذج ، بل إنما يحكم بها الناس لتأدبهم بآداب الشرع ، ورسوخ ما تلقوه من الشارع في نفوسهم ، ولو كان أمره بعكس ما هو الآن ، مثلا كان حكمه بحسن الزنا والسرقة لصار هذان حسنين ، والعادات الحسنة ناشئة من التأدب بأحكام الدين ، وليس فيها شئ يوجب اتصافها بالحسن والقبح ذاتا . وأما الفلاسفة فمذهبهم أن العقل النظري لا يحكم في الأفعال بشئ ، وبه قال الشيخ في النهج السادس من منطق الإشارات . « 1 » ولكن العقل العملي الذي ينظر إلى الأفعال من حيث تأثيرها في الخير والسعادة فيعترف الحكيم بإدراكه الحسن والقبح الذاتيين . فهم يوافقون الأشاعرة بالنسبة إلى العقل النظري ، والمعتزلة بالنسبة إلى العقل العملي . والحق ما ذهب إليه المعتزلة لوجوه نشير إلى بعضها اختصارا : الأول : العلم الضروري بذلك ، ولذا يحكم بها المنكرون للشرائع أصلا كالبراهمة . « 2 » الثاني : لو كان الحسن والقبح بالشرع لم يقبح من اللّه تعالى شئ ، إذ لا شارع على الشارع ، فلم يكن إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعوى

--> ( 1 ) - شرح الإشارات ج 1 ص 220 . ( 2 ) - البراهمة قوم لا يجوزون على اللّه بعثة الرسل . كذا في مجمع البحرين .